سيد محمد طنطاوي
17
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
التركيب العجيب الدقيق لأجسادكم وأعضائكم . ثم في تفاوت عقولكم وأفهامكم واتجاهاتكم . في كل ذلك وغيره ، عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين . ورحم اللَّه صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين * ( وفِي الأَرْضِ آياتٌ ) * تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره ، حيث هي مدحوّة كالبساط . . . وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها ، والماشين في مناكبها . وهي مجزأة : فمن سهل وجبل ، وبر وبحر ، وقطع متجاورات : من صلبة ورخوة ، وطيبة وسبخة ، وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات . . . وتسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض في الأكل ، وكلها موافقة لحوائج ساكنيها . في كل ذلك آيات * ( لِلْمُوقِنِينَ ) * أي : للموحدين الذين سلكوا الطريق السوى . . فازدادوا إيمانا على إيمانهم . * ( وفِي أَنْفُسِكُمْ ) * في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال ، وفي بواطنها وظواهرها ، من عجائب الفطر . وبدائع الخلق ، ما تتحير فيه الأذهان ، وحسبك بالقلوب ، وما ركز فيها من العقول ، وخصت به من أصناف المعاني ، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف ، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها : من الآيات الدالة على حكمة المدبر . . فتبارك اللَّه أحسن الخالقين « 1 » . ثم لفتة ثالثة للأنظار إلى الأسباب الظاهرة للرزق ، تراها في قوله - تعالى - : * ( وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ ) * . أي : أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة عنده - سبحانه - وهي تنزل إليكم من جهة السماء ، عن طريق الأمطار التي تنزل على الأرض الجدباء . فتنبت بإذن اللَّه من كل زوج بهيج . كما قال - تعالى - : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِه ويُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً « 2 » . وقال - سبحانه - : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 3 » . قال القرطبي : قوله : * ( وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ) * الرزق هنا : ما ينزل من السماء من مطر
--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 399 . ( 2 ) سورة غافر آية 13 . ( 3 ) سورة السجدة الآية 5 .